أحمد بن محمد مسكويه الرازي

187

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

فاعلة ، فأما « اللذة الانفعالية » فهي شبيهة بلذة الإناث ، و « اللذة الفاعلة » تشبه لذة الذكور ، ولذلك صارت « اللذة الانفعالية » هي التي تشركنا فيها الحيوانات التي ليست بناطقة ، وذلك انها مقترنة بالشهوات ومحبة الانتقام وهي انفعالات النفسين البهيميتين . وأما اللذة الأخرى فهي الفاعلة وهي التي يختص بها الحيوان الناطق ، ولأنها غير هيولانية ولا منفعلة إنفعالا لأنها صارت لذة تامة وتلك ناقصة وهذه ذاتية وتلك عرضية . وأعني بالذاتية والعرضية ان اللذات الحسية المقترنة بالشهوات تزول سريعا وتنقضي وشيكا ، بل تنقلب لذاتها فتصير غير لذات ، بل تصير آلاما كثيرة أو مكروهة بشعة مستقبحة ، وهذه اضداد اللذة ومقابلاتها . وأما اللذة الذاتية فإنها لا تصير في وقت آخر غير لذة ، ولا تنتقل عن حالتها بل هي ثابتة أبدا ، وإذا كانت كذلك فقد صح حكمنا ووضح أن السعيد تكون لذته ذاتية لا عرضية ، وعقلية لا حسية ، وفعلية لا انفعالية ، وإلهية لا بهيمية . ولذلك قالت الحكماء : ان اللذة إذا كانت صحيحة ساقت البدن من النقص إلى التمام ، ومن السقم إلى الصحة . وكذلك تسوق النفس من الجهل إلى العلم ، ومن الرذيلة إلى الفضيلة ، الا أن ههنا سرا ينبغي ان يقف على المتعلم ، وهو أن ميله إلى اللذة الحسية ميل قوي جدا ، وشوقه إليها شوق مزعج ، وليس تزيد العادة في قوة الطبع الذي لنا كثير زيادة لفرط ما جبلنا عليه في المبدأ من القوة والشوق . ولذلك متى كانت هذه اللذة حسية قبيحة جدا ثم مال الطبع إليها بافراط وانفعل عنها بقوة ، استحسن الانسان فيها كل قبيح وهون على نفسه منه كل صعب ، ولم ير موضع الغلط ولامكان القبيح حتى تبصره الحكمة . وأما « اللذة العقلية » الجميلة فأمرها بالضد ، وذلك ان الطبع يكرهها ، فإن انصرف